فؤاد الشراجيفؤاد الشراجي

عمالة أطفال اختيارية!

لم تعد عمالة الأطفال في اليمن مجرد مصطلح يتداوله الحقوقيون والنشطاء ومنظمات حقوق الإنسان للتعبير عن الاستغلال اللاإنساني للأطفال من قبل أرباب العمل، وإرغام بعضهم على العمل في أعمال ومهن شاقة تفوق أعمارهم بكثير، إذ بات من التباهي بين الأطفال العمل في تلك المهن من أجل توفير لقمة العيش لهم ولأسرهم، في ظل أوضاع مأساوية تمر بها البلاد منذ ست سنوات خلت من عمر الحرب.

فسنين الحرب وتبيعاتها ضاعفت من عمالة الأطفال، وجعلت منها مجرد أرقام ونسب تتداولها المنظمات الحقوقية في معرض حديثها عن الوضع الإنساني في اليمن، ولم تعد العمالة كما كانت مقتصرة على بضع آلاف من الأطفال، بل أصبحت ظاهرة مجتمعية تعايش الناس معها كإحدى إفرازات الحرب التي لا مناص من تجاهلها أو معالجتها في الوقت الراهن.

ونظرًا لتردي الأوضاع وانقطاع المرتبات لجأ الآلاف من الأطفال إلى العمل، بغية الإسهام في مساعدة أسرهم التي تصارع الأخطار من أجل توفير متطلبات الحياة، فارتفاع الأسعار ساهم بشكل كبير في ضعف القدرة الشرائية لدى السكان، ما أدى إلى إرهاق كاهل آلاف الأسر، خاصة تلك التي فقدت عائلها أو التي ليس لها عائل.

ومن مآسي الحرب أن نجد أطفالًا يعملون باعة متجولون في الشوارع منذ ساعات الصباح الباكر وحتى المساء، على أمل الحصول على بضع مئات من الريالات تكفي لشراء القوت الضروري الذي يبقيهم أحياء، على الرغم من انتشار الأمراض المعدية التي لا تنفك عن الفتك بهم.

فالإضطرار للعمل في سن مبكرة، أجبر الأطفال على ترك التعليم وهجرة المدارس لأجل المنافسة على فرصة عمل -هي أشبه بالموت البطيء- الذي يأخذ من أعمارهم بقدر مشقة العمل الذي يمارسونه، فالتسرب من التعليم في اليمن بلغ مستويات قياسية، لا تنفع معها التحذيرات الأممية، ولا شجب المنظمات الحقوقية والتعليمية التي ترى فيه ثقب أسود يلتهم مستقبل الطفولة في اليمن.

فعمل الأطفال في مهن شاقة -يراه كثيرون- أقل خطرًا من التحاقهم بجبهات القتال التي شاع حضورهم المتزايد فيها، فمنذ سنوات الحرب الأولى ومليشيا الحوثي الإنقلابية تستقطب الأطفال للقتال في صفوفها، تارة عبر الوجهات القبلية وتارة أخرى عبر المراكز الصيفية التي تقيمها كل عام لذات الغرض.

ورغم التحذيرات المتتالية التي تطلقها المنظمات الحقوقية فيما يخص تجنيد الأطفال، نجد الظاهرة تزداد انتشارًا خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا، إذ تستغل المليشيا جهل الناس وبساطتهم من خلال شعاراتها الزائفة التي تلقى رواجًا واسعًا في تلك المناطق.

فمن خلال الإقبال الواسع على العمل من قبل الأطفال، نلحظ أن عمالة الأطفال في اليمن لم تعد إجبارية -إن جاز التعبير تسميتها- بل باتت اختيارية "اضطرارية" فرضتها ظروف الحرب الراهنة، التي وجد الناس أنفسهم فيها عاجزين عن الإيفاء بمتطلبات الحياة الضرورية، ما دفع الأطفال إلى العمل رغم قساوته وقلة المردود الذي يجنونه من تلك الأعمال، ليبقى السؤال الأبرز عن دور المنظمات الحقوقية تجاه قضية تجنيد الأطفال؟ وموقف الأمم المتحدة من تزايد معدلات عمالة الأطفال رغم التحذيرات التي تطلقها الهيئات التابعة لها؟ وأخيرًا دور الحكومة الشرعية وجهودها المبذولة لتبنى تلك القضية وجعلها في قائمة أولوياتها؟.

شبكة صوت الحرية -

منذ شهر

-

162 مشاهدة

مقالات ذات صلة

أهم التصريحات المزيد